محمد المختار ولد أباه

236

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

والنحو . ولعل كونه من غير أصل عربي جعله أكثر تأهيلا للتفكير فيها بموضوعية ، ذلك أن العربي يعيش لغته دون تفكير ، فهي جزء من كيانه لا يمكن أن ينفصل عنها ، أو يتجرد عنها أو تصبر مشكلا ماثلا أمامه لأنها سر من حياته الطبيعية ، فهو يشعر بها ويستعملها سليقة وليست خرجة عنه ، فهو يفكر بها ولا يحتاج أن يفكر فيها مثل ما يقال إن العين لا تبصر نفسها . ومن هنا نفهم أن أكثر الذين برعوا في تقنين قواعد اللغة والبيان كانوا من غير أصل عربي ، أمثال سيبويه ، وأبي علي الفارسي ، وابن جني ، والزمخشري والجزولي . فكل هؤلاء تصوروا اللغة العربية علما مستقلا ، تتطلب دراسته معرفة أسس القواعد وأبنيته ، وضوابط مدلولاته العامة ، ليتجاوزوا تقنين الاستعمالات الفردية التي لا تخضع للمنطق الخارجي . وهكذا حوّل سيبويه تأملات الخليل العلمية ، إلى قوانين ثابتة ، ووضع ابن جني نظريات النحاة في شكل نظام لغوي عام يتجاوز حقل اللغة نفسها بصفتها ألفاظا ومعاني ليتناول أسس آليات التفكير والتعبير ، انطلاقا من الصوتيات إلى الأشكال البنيوية . كل هذا واضح في كتبه التي تربو على الستين ، والتي أصدق ما يقال عنها وصفه هو لها إذ يقول أبيات شعر : تناقلها الرواة لها * على الأجفان من حدب فيرتع في أزاهرها * ملوك العجم والعرب فمن مغن إلى مدن * إلى مثن إلى مطرب « 1 » وإن من أشهرها المحتسب ، وسر صناعة الإعراب ، واللمع في النحو ، وكتاب الخصائص المهدى إلى بهاء الدولة الذي قال عنه : هذا كتاب لم أزل

--> ( 1 ) معجم الأدباء : 1593 .